ابن عطية الأندلسي
455
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
على موسى أي بعد مضيه إلى المناجاة وأضاف الحلي إلى بني إسرائيل وإن كان مستعارا من القبط إذ كانوا قد تملكوه إما بأن نفلوه كما روي وحكى يحيى بن سلام عن الحسن أنه قال استعار بنو إسرائيل حلي القبط ليوم الزينة فلما أمر موسى أن يسري بهم ليلا تعذر عليهم رد العواري وأيضا فخشوا أن يفتضح سرهم ثم إن الله نفلهم إياه ويحتمل أن يضاف الحلي إلى بني إسرائيل من حيث تصرفت أيديهم فيه بعد غزو آل فرعون ويروى أن السامري واسمه موسى بن ظفر وينسب إلى قرية تسمى سامرة قال لهارون حين ذهب موسى إلى المناجاة يا هارون إن بني إسرائيل قد بددوا الحلي الذي استعير من القبط وتصرفوا فيه وأنفقوا منه فلو جمعته حتى يرى موسى فيه رأيه قال فجمعه هارون فلما اجتمع قال للسامري أنت أولى الناس بأن يختزن عندك فأخذه السامري وكان صائغا فصاغ منه صورة عجل وهو ولد البقرة * ( جسدا ) * أي جثة وجمادا وقيل كان جسدا بلا رأس وهذا تعلق بأن الجسد في اللغة ما عدا الرأس وقيل إن الله جعل له لحما ودما قال القاضي أبو محمد وهذا ضعيف لأن الآثار في أن موسى برده بالمبارد تكذب ذلك والخوار صوت البقر ويروى أن هذا العجل إنما خار مرة واحدة وذلك بحيلة صناعية من السامري أو بسحر تركب له من قبضه القبضة من أثر الرسول أو بأن الله أخار العجل لفتن بني إسرائيل وقرأت فرقة له جوار بالجيم وهو الصياح قال أبو حاتم وشدة الصوت وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو والحسن وأبو جعفر وشيبة من حليهم بضم الحاء وكسر اللام وهو جمع حلي على مثال ثدي وثدي وأصله حلوي قلبت الواو ياء وأدغمت فجاء حلي فكسرت اللام لتناسب الياء وقرأ حمزة والكسائي من حليهم بكسر الحاء على ما قدمنا من التعليل قال أبو حاتم إلا أنهم كسروا الحاء اتباعا لكسرة اللام قال أبو علي وقوى التغيير الذي دخل على الجمع على هذا التغيير الأخير قال ومما يؤكد كسر الفاء في هذا النحو من الجمع قولهم قسي قال أبو حاتم هكذا يحيى بن وثاب وطلحة والأعمش وأصحاب عبد الله وقرأ يعقوب الحضرمي من حليهم بفتح الحاء وسكون اللام فإما أن يكون مفردا يراد به الجميع وإما أن يكون جمع حلية كتمرة وتمر ومعنى الحلي ما يتجمل به من حجارة وذهب وفضة ثم بين الله تعالى سوء فطرهم وقرر فساد اعتقادهم بقوله * ( ألم يروا أنه لا يكلمهم ) * الآية وذلك أن الصامت الجماد لا يتصف بالإلهية والذي لا يرشد إلى خير ولا يكشف غما كذلك والضمير في * ( اتخذوه ) * عائد على العجل وقوله * ( وكانوا ) * إخبار لنا عن جميع أحوالهم ماضيا وحالا ومستقبلا ويحتمل أن تكون الواو واو حال وقد مر في البقرة سبب اتخاذ العجل وبسط تلك الحال بما أغنى عن إعادته هاهنا وقرأ جمهور الناس بكسر القاف وضم السين سقط في أيديهم وقرأت فرقة سقط بفتح السين والقاف حكاه الزجاج وقرأ ابن أبي عبلة أسقط وهي لغة حكاها الطبري بالهمزة المضمومة وسين ساكنة والعرب تقول لمن كان ساعيا لوجه أو طالبا غاية ما فعرضه ما غلبه وصده عن وجهته وأوقفه موقف العجز عن بغيته وتيقن أنه قد عجز سقط في يد فلان وقال أبو عبيدة يقال لمن قدم على أمر وعجز عنه سقط في يده قال القاضي أبو محمد والندم عندي عرض يعرض صاحب هذه الحال وقد لا يعرضه فليس الندم